فلاح الضيعة

فلاح الضيعة

فلاح الضيعة

ناظِرُ الضَّيْعَةِ

1 -  ظَلَّ طُولَ حياتهِ فلّاحًا "قلْبًا" و"قالَبا" . حَسْبُكَ أنْ تُجالِسَهُ بُرْهَةً تصغي إلى رنينِ صوتِهِ الممتلِئ ، وتنظُرُ إلى عَيْنَيْهِ الْبَرّاقَتَيْنِ لِيَتَراءَى لَكَ الرّيفُ بِأَسْرِهِ : الرّيفُ الْعظيمُ ، بِشَمْسِهِ الْوَهّاجَةِ ، وظِلالِهِ الْوارِفَةِ ، بِهَوائِهِ الّلافِحِ ، وَنَسيمِهِ الوديعِ، بغدرانِهِ الهادئةِ ، وسَواقيهِ النّوّاحَةِ ، بِخُوارِ بهائِمِهِ ، وأغاني فَلّاحيهِ . وكانَتْ لَهُ دارٌ متواضِعَةٌ لَيْسَتْ أَكْثَرَ اتّساعًا ، ولا أَرْفَعَ شَاْنًا ، من دورِ الْفَلّاحين ، سَكَنَها أبوهُ مِنْ قَبْلُ ، وَنَشَأَ هُوَ فيها وَتَرَعْرَعَ ، وَشَبَّ فيها أولادَهُ ، فَلَمْ يَشَأْ أَنْ يُغَيّرَها ، وما اسْتَحْيا بها يَوْمًا ، عاشَ فيها كَأَنّهُ في قَصْرٍ رَحبٍ . 

 2 – كانَ (يَمْضي الْيَوْمَ كُلّه مُتَنَقّلًا في الْحَقْلِ) ، يُراقِبُ الْفَلّاحين، وَهُمْ يَحْرِثونَ وَيَزْرَعونَ وَرُبَّما تَناوَلَ الْمِحْراثَ مِنْ أَحَدِهِم ، وَجَعَلَ يحرِثُ في اهتِمامٍ ، وَعُيونُهُ (تَلْمَعُ) ، وَصَدْرُهُ يعلو وَيَهْبِطُ . أوْ يَمْسِكُ بِالْفَأْسِ يَضْرِبُ بها الْأَرْضَ في قُوَّةٍ وَعَزْمٍ ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَتَلَفَّتُ حَوْلَهُ ، وهو يَقولُ : ماذا رأيْتُم يا أوْلادُ؟ لقدْ كانَتْ أَرْضًا صُلْبَةً ، وَلَكنّها وَجَدَتْ مَنْ هُوَ أَصْلَب منها ... " ! 

3 – وعند الغروب يعود إلى الضّيعة ،ووَجْهه يفيض بِشْرًا وَرِضا، يُجَفّف عرقه الْمُتَصبّب من جبينه بِكَمّ ردائه وَيَذْهب إلى حظيرَة الْمواشي . فَهُناك يَجِد الْبهائم مُتَراصّة أمام معالفها وَرؤوسها مَحْنِيَّةً تَأْكُل في شَرَهٍ.

 

4- يَدْخُلُ الرَّجُلُ فَإذا بِرُؤُوسِ الْمواشي قَدْ ارْتَفَعَتْ عَنِ الْمَعالِفِ وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ بِعيونٍ مُشْرِقَةٍ مُرَحّبَةٍ ، وهي ما زالَتْ تَلوكُ في فَمِها ما بَقِيَ فيه من العلفِ ، وَتَمْسَحُ بِأَلْسِنَتِها أنوفها المصقولةِ ، فَتَزيدُها الْتماعًا كَأنَّها تُريدُ أَنْ تَظْهَرَ بِالْمَظْهَرِ الّلائِقِ به ... وَقَدْ انْدَفَعَتْ تَتَصايَحُ في تَحَمُّسٍ شَديدٍ يُحاوِلُ كلّ منها أَنْ يَكْسَبَ عَطْفَ مولاه وَيَصيحُ بِصَوْتِهِ الجهوري : " ما هَذِهِ الضَّوْضاء "؟!

5- فَتَسْكُتُ الْبهائِمُ على الفورِ، إلّا حِمارًا لَمْ يَكُنْ بعد قَدْ أَكْمَلَ مَقْطوعَتِهِ في التّرحيبِ ، فَيَرْميهِ بِنَظْرَةٍ حادَّةٍ ، وَهْوَ يَقولُ :" حَقًّا " إنَّكَ حِمارٌ " !