فصل الخريف

فصل الخريف

فصل الخريف

1- كان صباحاً خريفيّاً، عندما انطلقتُ إلى الحقول، أنزّه ناظري في الطبيعة الجامدة، حتّى أوصلتني القدم إلى ضفاف الجدول، حيث بالأمس كانت ميداناً لألعابنا .

    2- وقفت أتأملّ، وحدي هناك، فيا حسرة ما رأيت :

    لقد ظهر الرمل والحصى، وبقيّة ضئيلة من المياه، تتخذ لها مجرًى ضيّقاً تنساب بهدوء، يكاد لا يُسمع لها خريرٌ.. لقد تراءى لي الجدول كأنّه يحتضر في ساعة النزاع، يصعّد على بطء وصدفة، نغماً كئيباً، كلما ارتطم بصخرة.

    3- يبست حفافيه، وما بقيت غير شوكة العوسج، ورحل عنه غناء الطيور، فما كنت أرى عصفوراً ولا أسمع رقّة جناح. بل كان يزيد في كآبة المشهد، تناثر أوراق الحور التي كانت تتأرجح في الفضاء بلحنٍ جنائزيّ حزين، فترشّها الرياح التي كانت تهبّ بين الفينة والفينة، على المنحنيات والسفوح.

    4- مضت ساعات قضيتها في التأملّ، فتذكّرت الجدول في ربيعه يوم كان يجري هادراً في الحقول، وتنبت عل حافتيه الزنابق الحمراء والشقيق، ويوم كانت العصافير تحلم وتزقزق في أعباب شجرات الحور الظليلة، فبدا لي أنّ الحياةَ ربيعٌ، فيه تتجلّى البهجة والزهو والسرور، وما الخريف سوى منظر يصوّر الحياة بأتعس صورة، وأكأب هيئة.

    5- إنّه فصل تهيمن فيه التعاسة والجمود على الطبيعة وتضيق فسحة الأمل.

    غادرت الجدول منقبض النفس، حزين الخاطر، ومنّي يتهافت النداء إلى الربيع، أيام السعادة والإخضرار والحياة.

Files