بائع الصحف

بائع الصحف

بائع الصحف

بائعُ الصُّحُفِ

    أَحْرَقَتِ شَمْسُ الظَّهيرَةِ اللاهِبَةُ وَجْنَتيهِ ، وأَدْمَى الطَّريقُ الطَّويلُ المزْدَحِمُ قَدَمَيهِ العارِيَتينِ ... وَحَوَّلَتْ لَفَحاتُ الصَّيفِ الحارَّةُ عَيْنيهِ إلى جَمْرَتينِ مُلْتَهِبَتين .

    يسيرُ قَفْزًا بِجَسَدِهِ النَّحيلِ ، وعلى جَبينِهِ العَريضِ تَقْرَأُ قِصَّةَ التَّعَبِ مِنْ أَجْلِ الحياة . لِمْ يَتَجاوَزِ العاشِرَةَ مِنْ عَمْرِهِ ، تُغَطّي رَأْسَهُ الدَّائريّ الصّغيرَ قُبَّعَةٌ صَفْراءُ ، بانَ مِنْها شَعْرُهُ الأَسْودُ المشَعَّثُ . يَسْتُرُ جِسْمَهُ الهزيلَ ثوبٌ رثُّ بالٍ . وتَحْتَ إِبْطِهِ حَضَنَ مِلَفًّا كبيرًا بَرَزَتْ مِنْهُ أَطرافُ صُحُفٍ ومَجَلاَّتٍ لا يُحْصَى عَدَدُها ، يَحْمِلُها بِصُعوبَةٍ . وعلى جانِبِهِ تَسْتَقِرُّ جَعْبَةٌ مِنَ الجِلْدِ الأَسْوَدِ ، يَضَعُ فيها نُقودَه .

    رَأَيْتُهُ يَقْفِزُ كالأَرْنبِ الصَّغيرِ ، يَلْحَقُ بالحافلاتِ والسَّياراتِ ، يُحاوِلُ إيقافَ المارَّةِ كأَنَّهُ يَتَوَسَّلُ إليهِمْ أَنْ يَأْخُذوا شيئًا مِنْ حِمْلِهِ الثَّقيل . ويُنادي بِأَعلى صَوْتِهِ ... يَشْتَعِلُ حَيَويَّةً ونَشاطًا ورَغْبَةً أَكيدَةً في الجِهادِ المسْتَمِرِّ، للحُصولِ على القوتِ اليَوْميّ .

    إِنَّهُ شُعْلَةٌ مِنْ ذَكاءٍ ، لَمْ تَسْتَطِعْ أَيدي الشَّقاءِ والحِرْمانِ إِخْمادَها ! رَاَيْتُهُ يُجْهِدُ نَفْسَهُ في قِراءَةِ عَناوينِ الصُّحُفِ ، ثمَّ يَبْتَسِمُ ابْتِساماتِ النَّصْرِ التي كانَتْ تُجَدِّدُ قوَّتَهُ وَتَبْعَثُ فيهِ الأَمَلَ .

كانَ مِنَ اليَقَظَةِ وَحِدَّةِ النَّظَرِ بِحَيْثُ لا يَفوتُهُ صَوْتٌ يُنادي أَوْ يَدٌ تُشيرُ ، فَيُسْرِعُ نَحْوَها مُبْتَسِمًا مُسْتَبْشِرًا .

    كَمْ أَعْجَبَني هذا الصَّغيرُ  الشُّجاعُ الذي طَرَدَ عَنْهُ أَشْباحَ العَوَزِ والفَقْر ! وَاعْتَمَدَ على نَفْسِهِ في شَقِّ طَريق المسْتَقبَلِ والكِفاحِ مِنْ أَجْلِ العَيْشِ الكَريمِ ! وَكَمْ كانَ سُروري عَظيمًا حينَ رُحْتُ أَرْقُبُهُ وَهوَ يُحْصي دَراهِمَهُ ! لَقَدْ أَشْرَقَتْ عَيْناهُ بِبَريقِ الفَرحِ والاطمِئْنانِ ، لأَنَّهُ استَطاعَ أَنْ يَبيعَ قِسْمًا كبيرًا مِنْ حِمْلِهِ الثَّقيل .

   وَابْتَعَدَتْ بيَ السَّيَّارةُ وَصَوْتُ البائِعِ الصَّغيرِ لا يَزالُ يَرِنُّ في أُذُنيَّ .                     

                                                                       سميرة عزّام