العصافير

العصافير

العصافير

العصافير

        لا شيءَ أبهى منْ عُصفورٍ يُقاوِمُ كي يَأكُلَ مِنْ ثَمَرَةٍ ناضِجَةٍ، فَيَنْحني تارَةً، يَمْتَصُّ ماءَها، وَيَرْفَعُ الرّأْسَ، تارةً أُخْرى، وَيَدورُ، وَيَطيرُ منْ غصنٍ إلى غصنٍ، بَحْثًا عنِ الأشْهى. وَلا تَعْرِفُ العصافيرُ الطمعَ، فهي تَكْتَفي بالقَليلِ، وَكُلَّما تَكَرَّمَتْ عَلَيْها الشجَرَةُ رَدَّتِ الجميلَ بالزَغاريدِ والألحانِ.

        وتَكثر الجماعة على الأغصان، فتلفّ المحيط سمفونيّة سماويّة، فيتجلّى لك في كلّ عصفور ملاك، وتَكْتَئِب لأنّك على التراب، ولا تصعد الجبال العالية، ولا تَهبِط الأودية السحيقة، ولا تَسْتَلذّ بِخرير الأنهار.

        وأَيُّ غصنٍ يَحطُّ عليه عصفورٌ تهزُّه قشَعْريرةُ الرضا، فَيَتَلَفَّتُ أخوهُ الغصنُ الآخرُ بدافِعِ الحَسَدِ، فَيَنْتَبِهُ العصفورُ، ويَروحُ بدافعِ المَحَبَّةِ يُداعِبُ الأَغْصانَ بجَسَدِهِ الرقيقِ، وبِمِنْقارِهِ الدقيقِ. فالعصفورُ كشُعاعِ الشمسِ لا يَبْخُلُ، ولا يَعْرِفُ الحقدَ؛ لذلك لا يَتْعبُ مِنَ الغِناءِ، وَمِنْ تَحَدّي الهواءِ وَالعطاءِ.

        وأنا أُمَتِّعُ النظَرَ عَبْرَ النافِذَةِ، فَأَرى الطبيعةَ تَزْرَعُ اللوحاتِ البَهيَّةَ أمامَنا: ألوانٌ هنا، زَقْزَقاتٌ هناكَ، خريرٌ هنالِكَ، وتُرْسِلُ إلى بيوتِنا عصافيرَ رائِعةً تَمْلأُ فَضاءَنا، منذُ الفجْرِ بالموسيقى العذبةِ.

        أَيَّتُها العصافيرُ، ما أبهاكِ وأنتِ تطيرينَ تارِكةً القلوبَ تَحلمُ بالفضاءِ! يا رسولةَ الفرحِ، يا رَفيقةَ الأشجارِ والأَزهارِ، أنتِ أنتِ الجمالُ، والجمالُ أنتِ.

                                                                 ربيعة أبي فاضل (بتصرّف) 

                                                                     

" أقاصيص من تراثنا "

     

     1- يتجلّى: يَظهر.              2     2 -السحيقة: العميقة.